عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
112
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
والثلاثة المشروطة في الأسماء ، لنكاحها الثاني وتداخل بعضها في بعض لظهور العالم كله - أعلاه وأسفله ، أوله وآخره - هو : العلم والإرادة والقدرة . فالعلم هو محل ظور المعلومات ، ومنصّة وجود الأسماء والصفات . والإرادة هي المخصّصة لكل موجود ، على حكم ما يقتضيه حال الكمال . والقدرة هي المبرزة له من العلم إلى العين ، فهذه شروط صحة النكاح المعنوي الأسمائي الأزلي الأبدي . فالنكاح الأول ، لتعلّق الأسماء والصفات بحقائقها ، ولكمال ظهورها . والنكاح الثاني ، لظهور الموجودات وتحقيق بروزها ، ليتم به مقتضى الكمال ، فافهم . ولما كانت الكلمة الإلهية ، التي هي مجلى العلم والإرادة والقدرة ، وهي : كن ، متعلقة بالمعلوم ، لشمول معاني الكمال له تعالى ، لقوله عزّ وجلّ : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النّحل : 40 ] فالشيء هو معلوم بالصفة العلمية ، ومراد بالصفة الإرادية . وكلمة كُنْ [ النّحل : 40 ] هي المتعلقة بعين ذلك المعلوم في العلم ، وصفة القدرة هي المخرجة له من العلم إلى العين . عبّر عن ذلك بقوله : فقال العليم ، يعني الصفة العلمية أعطت أنه : لا بد من كلمة كُنْ [ النّحل : 40 ] لظهور هذه الأعيان الثابتة في العلم ، وخروجها من محلها إلى العالم العيني . وعن كلمة كُنْ [ النّحل : 40 ] عبّر بقوله : بسم اللّه الرحمن الرحيم . ومن ثمّ قال بعض العارفين : « بسم اللّه الرحمن الرحيم من العارف ، ككن من اللّه . . » وسوف يذكره الشيخ فيما يلي في هذا الفصل - إن شاء اللّه تعالى - ولولا أن الكلام يأتي على بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) [ الفاتحة : 1 ] في أثناء هذا الباب ، لتحدثنا هنا حسبما أراده الشيخ رضي اللّه عنه . فهذا يا وليّ ، الشاهدان والوليّ . لما كان الاسم اللّه ، والاسم الرحمن ، والاسم الرحيم ؛ موجودا في البسملة . أشار الشيخ رضي اللّه عنه إلى ذلك - حسبما ذكرنا ذلك آنفا - فجعل الوليّ هو الاسم اللّه ، والشاهدان هما الرحمن والرحيم ، على النمط السابق . ففي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) [ الفاتحة : 1 ] سرّ النكاحين المعقودين لظهور حقائق الحقّ وحقائق الخلق . . فتأمّل ، ترشد إن شاء اللّه تعالى . قال الشيخ رضي اللّه عنه : فهذا . يعني ما عبّرنا عنه من لسان حال الكمال في الأزل : كان أول تركيب الأدلة . أراد بالأدلة ؛ المصنوعات وبروزها . يعني : بذلك المعقول آنفا ، كان سبب تركيب المصنوعات وبروزها على لسان العموم . وأما على الخصوص ، فالأدلة هي الأسماء والصفات الإلهية ؛ لما اقتضاه الشأن الإلهي ، من حيث ما هو الأمر عليه ، ليكون ذات واجب الوجود ، منعوتا بنعوت الكمال والجلال والجمال .